حين يُؤكل الحق باسم العُرف… ميراث المرأة بين شرع الله وجبروت العادات
✍️ المستشار الإعلامي والسياسي / خميس إسماعيل
لا تزال قضايا المرأة في مجتمعنا، خاصة في الريف المصري وصعيد مصر والبادية، تكشف عن صراع مؤلم بين ما أقرّه الشرع والقانون من حقوق عادلة، وبين ممارسات اجتماعية موروثة تُكرّس الظلم وتُغلفه بثوب “العُرف”.
ومن أخطر هذه القضايا… قضية أكل الميراث،
حيث تُحرم المرأة – الأخت أو الابنة – من حقها الشرعي في إرث أبيها، وكأنها ليست من صُلبه، وكأن العدالة يمكن أن تُجزّأ حسب النوع. الأخ يأخذ، والأخت تُجبر على الصمت… أو تُتهم بالجحود إن طالبت بحقها.
ولا يتوقف الأمر عند الحرمان فقط، بل يمتد إلى ضغوط نفسية واجتماعية قاسية:
أم تغضب من ابنتها لأنها طالبت بحقها،
إخوة يقطعون صلة الرحم لأنها لم تتنازل،
ومجتمع يصفها بالجشع… وهي فقط تطالب بما فرضه الله.
وهنا تكمن الكارثة…
حين يتحول الباطل إلى “عادة”، والحق إلى “عيب”.
شرع الله كان واضحًا لا لبس فيه، وحدد الأنصبة بدقة، ولم يتركها للأهواء أو المجاملات. وأكل الميراث ليس مجرد مخالفة اجتماعية، بل هو تعدٍ صريح على حدود الله، وظلم بيّن لا يمكن تبريره بأي حجة.
ورغم ذلك، يلجأ البعض إلى التحايل:
كتابة الممتلكات باسم الذكور قبل الوفاة،
أو استخدام التوكيلات،
أو ممارسة ضغوط نفسية على الفتاة حتى تتنازل “برضاها”، وهو في الحقيقة رضا تحت الإكراه.
والنتيجة؟
امرأة مكسورة الخاطر، فاقدة الثقة في أقرب الناس إليها، محرومة من حقها المادي والمعنوي، تعيش بإحساس الخذلان بدل الأمان.
القضية ليست فردية… بل هي ثقافة مجتمع تحتاج إلى مراجعة حقيقية.
صمتنا عن الظلم يرسّخه، وتبريرنا له يمنحه شرعية زائفة.
الحل يبدأ من نشر الوعي الديني الصحيح، وتفعيل القانون بحزم، ودعم المرأة قانونيًا ونفسيًا، مع دور حقيقي للإعلام والمؤسسات الدينية في تصحيح المفاهيم.
لأن العدل في الميراث ليس اختيارًا… بل فريضة،
وإنصاف المرأة ليس ترفًا… بل معيار إنسانية المجتمع.
أنا وقلمي… وقهوتي ☕
في هدوء اللحظة، أجلس أمام فنجان قهوتي، لا أكتب كلمات عابرة… بل أكتب وجعًا حقيقيًا.
أرى في سطور هذا المقال وجوه نساء صامتات، يحملن في قلوبهن حكايات لم تُروَ، ودموعًا لم تُرَ، وحقوقًا ضاعت بين كلمة “عيب” وذريعة “العُرف”.
قهوتي هذه المرة ليست دافئة كما تبدو…
بل مُرّة كطعم الظلم حين يُفرض على القلوب،
مُرّة كخذلان الأخت حين تُحارب من أجل حقها،
ومُرّة كصمت مجتمع يعرف الحقيقة… لكنه يختار أن يتجاهلها.
أتساءل بيني وبين نفسي…
كيف تحوّلت صلة الرحم إلى سلاح ضغط؟
وكيف صار التنازل فضيلة، بينما التمسك بالحق يُدان؟
قلمي هنا لا يكتب حبرًا فقط…
بل يكتب موقفًا،
يكتب صوتًا لمن لا صوت لها،
يكتب دفاعًا عن عدلٍ لا يقبل التزييف.
أنظر إلى قهوتي وقد بردت…
وأفكر في قلوبٍ بردت من كثرة ما واجهت من قسوة،
لكن يبقى الأمل… أن يفيق الضمير، وأن يعود الحق لأصحابه.
سأظل أكتب…
طالما هناك حق يُؤكل،
وطالما هناك امرأة تُظلم،
وطالما هناك مجتمع يحتاج أن ينظر إلى نفسه بصدق.
لأن القلم إن سكت… ماتت الحقيقة،
وإن تكلم… ربما أيقظ ضميرًا كان نائمًا.
حين يُؤكل الحق باسم العُرف… ميراث المرأة بين شرع الله وجبروت العادات